الشنقيطي
184
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أنّ مريم حملت عيسى . فقوله فَحَمَلَتْهُ أي عيسى فَانْتَبَذَتْ بِهِ : أي تنحت به وبعدت معتزلة عن قومها مَكاناً قَصِيًّا ( 22 ) أي في مكانها بعيد : والجمهور على أنّ المكان المذكور بيت لحم . وفيه أقوال أخر غير ذلك . وقوله : فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ أي ألجأها الطلق إلى جذع النخلة ، أي جذع نخلة في ذلك المكان . والعرب تقول : جاء فلان ، وأجاءه غيره : إذا حمله على المجيء ، ومنه قول زهير : وجار سار معتمدا إلينا * أجاءته المخافة والرجاء وقول حسان رضي اللّه عنه : إذ شددنا شدة صادقة * فأجأناكم إلى سفح الجبل والمخاض : الطلق ، وهو وجع الولادة ، وسمّي مخاضا من المخض ، وهو الحركة الشديدة لشدة تحرك الجنين في بطنها إذا أراد الخروج . وقوله : قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا ( 23 ) تمنت أن تكون قد ماتت قبل ذلك ولم تكن شيئا يذكر . فإذا عرفت معنى هاتين الآيتين - فاعلم أنه هنا لم يبين كيفية حملها به ، ولم يبيّن هل هذا الذي تنحّت عنهم من أجله ، وتمنت من أجله أن تكون ماتت قبل ذلك ، وكانت نسيا منسيا : وهو خوفها من أن يتهموها بالزنى ، وأنها جاءت بذلك الغلام من زنى وقعت فيه أو سلمت منه . ولكنه تعالى بيّن كل ذلك في غير هذا الموضع ، فأشار إلى أن كيفية حملها أنه نفخ فيها فوصل النفخ إلى فرجها فوقع الحمل بسبب ذلك ، كما قال : وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا [ التحريم : 12 ] وقال وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا [ الأنبياء : 91 ] الآية . والذي عليه الجمهور من العلماء : أن المراد بذلك النفخ نفخ جبريل فيها بإذن اللّه فحملت ، كما تدل لذلك قراءة الجمهور في قوله : إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا ( 19 ) [ مريم : 19 ] كما تقدم . ولا ينافي ذلك إسناد اللّه جل وعلا النفخ المذكور لنفسه في قوله فَنَفَخْنا لأن جبريل إنما أوقعه بإذنه وأمره ومشيته ، وهو تعالى الذي خلق الحمل من ذلك النفخ ؛ فجبريل لا قدرة له على أن يخلق الحمل من ذلك النفخ ومن أجل كونه بإذنه ومشيئته وأمر تعالى ، ولا يمكن أن يقع النفخ المذكور ولا وجود الحمل منه إلا منه إلا بمشيئته جل وعلا - أسنده إلى نفسه - واللّه تعالى أعلم . وقول من قال : إن فرجها الذي نفخ فيه الملك هو جيب درعها ظاهر السقوط ، بل النفخ الواقع في جيب الدرع وصل إلى الفرج المعروف فوقع الحمل . وقد بين تعالى في مواضع أخر ، أن ذلك الذي خافت منه وهو قذفهم لها بالفاحشة -